حديقتك السرية بين الواقع والخيال – الجزء الثاني

كل التقدم و تحقيق الرغبات يعتمد على سيطرة وتركيز انتباهك.

– نفيل

إذا كنت اطلعت على الجزء الأول من موضوع الانتباه الذاتي، ستكون استوعبت أن اكتسابك للانتباه الذاتي هو الطريق نحو الوصول للتقدير الذاتي.

هذه الفكرة لا يستطيع اثنان واعيان نكرانها. لكن موضوع تجاهل آراء الآخرين و عدم الاكتراث لتواجدهم حولك يتطلب إعادة الفهم. لأن ليس كل شخص مشابه للآخر، مثلا تأثير رأي والدك ليس كتأثير رأي صديقك حتى لو امتلكوا نفس الرأي.

فالغاية الأخرى لخلق الحديقة السرية التي تضع فيها كل الأفكار و المشاعر المساعدة لك هو الرجوع إليها كلما واجهت صراعا بين ما تريده وما يريده الأقربون منك.

متى تنتبه على الحديقة السرية الخاصة بك؟

من الأمثلة التي نعيش فيها الصراع بين ما نفكر فيه وما يفكر فيه الآخرون هو داخل منازلنا و مع عائلاتنا.
قد تكون أنت الآن متطور على مستوى الوعي لكن أهلك لازالوا أصحاب وعي -منخفض-. فتعيش بذلك صراعا بين ما تؤمن به و ما يؤمنون به هم.
انتبه جيدا لا أنا ولا أنت نملك الحق في إصدار الأحكام.

مع انتشار سلم الوعي لهاوكنز أصبح من السهل لدى الغالبية أن يحدد مستوى وعي الآخرين و يقارن بينهم. لكن للأسف
حين تطلق الأحكام على الناس فأنت لا تحددهم بحكمك. بل أنت تحدد نفسك كشخص قابل أن يُحْكَم عليه.

راجع مقالة الأحكام: كيف تعيش وحدة الأضداد؟

في بلاد الغرب يكون من السهل أن يخبرك مدربك الشخصي “استقل و اتبع شغفك“. لكن في بلداننا العربية يظل الشخص نوعا ما مرتبطا بمكان نشأته وعائلته إلى سن معينة.
فأن ترفض كل ما يفكرون فيه و تقوم بعكسه ليس بالأمر الهين.

أنت لا تريد أن تلعب دور الإله في الأرض، أليس كذلك؟

قصتي مع خلق الحديقة السرية الخاصة بي

نعم في البداية استطعت أنا أيضا القيام بتغييرات كثيرة كان يرفضها أهلي. لكن أصدقك القول الأمر متعب جدا. فمهما بلغ مستوى الانتباه الذاتي لديك و سيطرتك على أفكارك الخاصة ورغباتك التي تخيلتها داخل الحديقة السرية ستختار يوما أن تتبع توجيهاتهم.
ليس أن رأيهم هو الصواب، ولكن لأن طاقتك تتشتت ما بين ما تريده و بين حبك لمن يعارض رغبتك.

انتبه جيدا الفئة التي أتحدث عنها الآن هي أسرتك و شريكك وليس الغريب والبعيد لأنه لا تأثير طاقي له عليك.

كنت أناقش موضوع طاقة المكان مع أحد أساتذتي، و تحدثت كيف أن حتى داخل المنزل تتغير الطاقة من غرفة إلى غرفة أخرى.
فالراحة و التركيز الذي أكون عليهما مثلا في غرفتي لا أحس بهما في مكان آخر بالمنزل. و استمرينا في الحديث إلى أن أخبرتها أني لا أؤمن بالاعتقاد القائل: إن تغييرك الشخصي يكفي
ليوصلك حيث ما تريد رغم عدم تطور محيطك خصوصا من تعيش معهم.

فإن كانت طاقة الغرف تتغير في المنزل الواحد و طاقتك الشخصية تتغير أيضا بتغييرك لهذه الغرف. فبالتأكيد طاقتك ستتغير بسبب طاقات من يعيش حولك مهما بلغ مستوى الوعي لديك.
انتبه جيدا أنا استثني في كتاباتي الأشخاص المطورين على المستوى الأثيري.

اعتبر أني خلقت لنفسي تلك الحديقة السرية التي انحاز إليها كلما واجهت ظرفا أو شخصا يعادي توجهاتي. اعتبرها إلى اليوم ملاذي الذي ألجأ إليه بكل حب.
لكن في بعض الأحيان أعيش ضغطا في موضوع ما. على سبيل المثال موضوع التأملات، أنا تعلمت ورأيت نتيجة هذه التأملات في حياتي وأصبحت جزء من روتيني اليومي الذي أمارسه. لكن ممارستي لهذا الروتين مرتبطة كثيرا بالزمكان الذي أنا فيه.
فإلى الآن أقوم بتأملاتي فقط حين أكون في مكان منعزل عن أفراد أسرتي خصوصا التي تتجاوز 30 دقيقة.
نعم أنا شرحت لهم أهمية هذه الممارسات و كيف أنها تحمل معنى بالنسبة لي. لكن رغم استيعابهم لهذا الأمر أظل اسمع منهم تعقيبات كلما رأوني مغمضة العينين وفي عالم آخر.

أفضل هدية لروحك هي أن تطورها بضغطة زر واحدة

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

  •   كل يوم اشارك المقطع المفضل لدي من احد الكتب على انستغرام فمرحبا بك 🥰

كيف يكون المحيط الخارجي مؤثرا على تطورك؟

قد يقول البعض منكم ولكن أنت تقولين أصبحت واعية وغير مهتمة بكلام الناس و تعقيباتهم نعم صحيح اتفق معك.
لكن دعني اشرح لك الفرق أين يكمن.

سأعود لمثالي السابق أنا أعتبر التأملات من العوامل المساعدة في النمو على جميع الأصعدة. وليست من الممارسات السهلة و التي بإمكانك احترافها في شهر أو شهرين. ولكنك تحتاج للتدرب و الممارسة اليومية و تستلزم شروطا كثيرة من بينها المحيط و الأصوات و الملابس و الروائح و أوقات محددة و غيرها…

حين أكون في مكان منعزل أستطيع توفير أغلب الشروط بسهولة حتى أن الأمر لا يتطلب مني مدة طويلة لأصل لمرحلة التركيز الكلي. لكن نفترض أني في مكان ما بجانب أسرتي وقررت أن أقوم بتأمل 40 دقيقة، سيأخذ مني على الأقل ساعة كاملة حتى أطهر محيطي من طاقتهم التي تبعث على أفكار معاكسة لما أقوم به.

أذكر أني في شهر رمضان قبل المغرب كنت جالسة في غرفتي أتأمل بعمق، وحين أقول بعمق أقصد به أني لم أعد أستشعر ما يحيط بي. وكان أهلي في هذا الوقت عادة يعلمون أني انعزل في غرفتي، لكن ذات يوم قامت والدتي بمناداتي ولأني لم أسمعها في البداية نادت علي مرة أخرى بصوت مرتفع. ففي اللحظة التي سمعتها كأني تعرضت لصدمة، لدرجة أني أحسست بألم في قلبي وظل ذلك الشعور الغريب بداخلي طيلة الليلة…

فلو كانت والدتي تعطي نفس الأهمية لما أقوم به كانت مثلا ستأتي إلى غرفتي و تنده علي بصوت منخفض.

فقط لمعلوماتك، أنه أثناء التأمل أنت تفتح مسارات الطاقة لديك وتكون معرضا لاستقبال التأثيرات بشكل أعمق. لذلك مثلا تتم البرمجيات وأنت في حالة الألفا أو الثيتا، لذلك ينصح أن تنتبه لما تستمع إليه قبل النوم مباشرة لأنك تكون في حالة الألفا أيضا.

وقس على ذلك مواضيع كثيرة…

انتبه جيدا على مستوى النوايا يملك الأهل قدرة هائلة على وضع النوايا لأبنائهم، فإن كنت تملك نوايا معاكسة لابد أن تملك النية الأقوى

مسار التطور بين الزوجين

في السابق حين كنت أفكر في الارتباط، امتلكت فكرة أنه حتى لو حصلت مشكلة بيني وبين الشريك أو هو لم يستطع أن يتطور في زاوية معينة، أنا شخص مستقل فكريا و مشاعريا. أملك القدرة على التحكم في داخلي طالما كان تركيزي على الانتباه الذاتي. لكني اكتشفت مؤخرا أن الأمر مختلف تماما حين يتم الحديث عن الأزواج.
فأنت حين تدخل في علاقة ما خصوصا العلاقة الزوجية، فأنت مهما بلغت قدرتك على التحكم في أفكارك و مشاعرك هناك باب طاقي انفتح بينك و بين هذا الشخص مما سيدخلكما في طاقة البعض.
بما معناه أن الانتباه الذاتي في هذه الزاوية لن يعمل بنفس الكفاءة كما هو الحال مع الوالدين. فهناك حبال طاقية مشتركة فيما بينكم.

الغاية من هذه الأمثلة أن افهمك أن وجهات نظر المقربين منك ليس من المستحب أن تتغاضى عنها. بل أنت مدعو لتناقشها وتسعى جاهدا، ليس لتغييرها، وإنما ايضاح مسؤولية كل شخص منكم تجاه توجهات الآخر.

” أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ “

لماذا من المهم أن يكون تطورك موازي لتطور محيطك؟

“إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”

لا قاعدة تعلو على ما جاء به القرآن حول قانون التغيير، فأنت لا تملك السلطة على تغيير الآخرين.
ولكن حين يكون الحديث عن الوالدين و الأزواج فهناك دعوة لك لتشارك ما أنت تسير نحوه معهم.

“وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه”

انتبه جيدا حين أقول تطور محيطك لا يعني حضورهم للدورات معك، ولكن مجرد تقبلهم واعترافهم برحلتك يكفيك حاليا.

اعلم أنه يصعب شرح هذه الأفكار فقط على المستوى الفكري، لأن الفكر يخبرك دائما أنك إنسان منعزل في حين أن الطاقة تفرض تأثيرها عليك ما دمت غير واع بها.

إليك ميزتان أساسيتان في وجودك ضمن محيط متفهم

  1. السرعة
    سرعة تطورك و أنت تتعلم لوحدك ليست هي نفس سرعة تطورك و أنت وسط محيط متفهم ومتقبل لهذا النمو.
  2. الجودة
    جودة تطورك داخل محيط متفهم ستتوزع على مستوى الأفكار، المشاعر، الطاقة، ولكن لوحدك قد يغلب مستوى على آخر.

أن تصبح مراقبا لحياتك الخاصة هو أن تتخلص من معاناة الحياة.

– أوسكار وايلد

كل ما عليك فعله هو أن تصبح مراقبا لحياتك الخاصة التي خلقتها داخل الحديقة السرية، والتي هي ليست بين الواقع والخيال وإنما كل ما تخيلته فيها و ركزت انتباهك الذاتي نحوه سيتحول إلى واقع.

يتطلب الأمر سنوات لتحصل على الرؤية الشاملة بأن كل شخص وكل شيء متصل ببعضه البعض. ومتصل بالخالق الذي تنشأ منه كل الأشياء وتعود إليه. فتذكر أنك مهما سعيت لتعزل كينونتك عن الآخرين فجزء مهم من هذه الكينونة متصل بهم.

إليك حكمتي

اخلق حديقتك السرية، ضع نوايا قوية، ارفع طاقتك، حافظ على انتباهك الذاتي، تحرر طاقيا، اختر الشريك الصح… 

أنتظر رأيك بكل حب 💚

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

4 تعليقات
  1. سناء يقول

    من أصدق ما قرأت.. شكرا من القلب..

    1. Zahra يقول

      الشكر لك عزيزتي سناء على قراءتك و تعليقك المشجع.

  2. محمد يقول

    موضوع الخصوصية استيعاب ان لكل منا عالمه الخاص مهما كانت طبيعة العلافة مهم
    مقال رائع

    1. Zahra يقول

      شكرا لك محمد على تعليقك. و بالفعل الخصوصية هي حق لكل شخص.

ما الذي استفدته؟

%d مدونون معجبون بهذه: