عن المتعة، والتأنيب، وما لم تُعلّمني إياه بيئتي

أنت تعيش في بيئة لا تناسبك، وتظن أن المشكلة فيك، بينما كل ما تحتاجه هو فقط… تغيير الإعدادات!

هذا ما ذكَّرَتني به لوحة المفاتيح لجهازي الجديد، وأنا أبحث عن مكان كل حرف… فسألت نفسي، ألا يعقل ألا أجد طريقة لتعديل ترتيب الحروف كما أريد؟ وها أنا غيرتها من الإعدادات واختصرت على نفسي الوقت!

ما الذي يعنيه لي النجاح؟

قبل عامين، قررت التوقف عن أخذ الدورات التدريبية فيما يخص التطوير الشخصي، ليس لأني اكتفيت وإنما أردت منح نفسي فترة عملية وتطبيقية طويلة لكل ما تعلمته.

باستثناء بعض المجالات التي أهتم بها جدا، أو لأن أحد عملائي يحتاج مقالا في مجال محدد فأضطر لتعلمه مبدئيا.

المتعة والنجاح، من ضمن ما أهتم به، من أجل نفسي…
مثلا حين أقول النجاح، فأنا لفترة طويلة لم أكن دائمة الشغف بالنجاحات ولا بالإنجازات.
صحيح حققت أشياء كثيرة (أحمد الله عليها للآن).

إلا أن، ذلك الشغف بإنجاز شيء ومشاركته والإحتفاء به لم يكن يستهويني، وقد يكون هذا أحد الأسباب التي منعتني من استكمال مشوار الكتابة علنا أو حتى السوشيال ميديا.

لماذا؟

لأن المجتمعات تحتفي بالناجحين والمنجزين علناََ! وليس سهلا أن تكرر على مسامع الناس أن من يشعر أنه ناجح فهو لا يحتاج النجاح!
استعراض الإنجاز أو النجاح لا أقول أنه أمر سيء، بالعكس هو خطوة تحفيزية للكثيرين، لاسيما الشباب.

أنا أحب متابعة الناجحين.

أتابع رواد الأعمال، والمستثمرين، ومؤسسي المشاريع، وأصحاب الأعمال الحرة الناجحين عالميا ووطنيا أيضا… مع ذلك، من داخلي أعلم يقينا أني لا أحتاج لإظهار شيء، وأن السعي الذي علي تجاه النجاح والإنجاز (قد) يكون مختلفا.

لا أقول أني لا أسعى، لا أقول أني لا أحب النجاح، لا أقول أني غير منجزة… أقول أن مفاهيمي تغيرت نحو هذه المصطلحات.

استكمال الدراسة… هدف حقيقي أم رغبة في الانتماء؟

في أواخر 2020، بدأت أظهر للعالم الخارجي.

كما تعلمون، المبرمجون عادة لديهم عالمهم الخاص. رغم أنك قد تكون شخصا اجتماعيا ومنفتحا، إلا أنه سبحان الله بمجرد أن تبدأ في البرمجة تكتسب عادات وسلوكيات جديدة، من بينها العزلة أنت وحاسوبك!

فكلما التقيت بشخص جديد أو حتى تصادفت مع زميل قديم، كان أول سؤال يطرحه علي هو: ما الذي درسته؟ من أي جامعة تخرجت؟ ما هي شهادتك؟

أم… زهرة؟
ما هذا؟

أنت الوحيدة في المجموعة صاحبة Bac+2!

هنا، عادت إليْ فكرة استكمال الدراسة، فبدأت أبحث عن الفرص المتاحة:

  • هل أدرس في مدينتي أو أرحل لمكان جديد؟
  • هل أدرس أونلاين أو حضوري؟

لم أعرف شيئا، باستثناء أني لم أرد أن أكمل في دراسة البرمجة، أردت دراسة الصحافة.

ذهبت لأسأل في الجامعة وعلمت أن لدي الحق في دراسة الإجازة المهنية في الصحافة كوني حاصلة على معدل جيد في تخصصي… إلا أن الأمر لم يكن سهلا، كانت هناك معوقات غير منطقية لم أقتنع بمواجهتها!

خلال هذه الفترة بالذات، كنت بدأت بالتدوين والكتابة الحرة، وكان هذا الأمر هو الدافع لي لاختيار تخصص الصحافة.

حاولت للأمانة، وسألت كل من أعرف إن كانت هناك طريقة للقبول بالجامعة، فلم أجد.

وهنا سألت نفسي مجددا: زهرة، لماذا تريدين العودة للدراسة؟

فكان الجواب من أجل المجتمع، من أجل الانتماء لطبقة معينة في المجتمع!

الدفتر الذي أُغلق… والمتعة التي تأخرت

  • هل الأمر يستدعي كل هذا الجهد؟ لا!
  • هل تعرفين أشخاص حصلوا على شهادات ولم يتغير واقعهم؟ نعم!
  • ما الذي يريد معظم الناس في المجتمع الحصول عليه عبر الشهادة؟ العمل!
  • هل لديك عمل مستقر الآن؟ نعم!
  • كيف يمكن أن نتفوق على أصحاب الشهادات العليا؟ بالمهارات!
  • هل هناك شيء إن امتلكته لن تشعري بالنقص بقربهم؟ المال!

جلسة نوعا ما سخيفة أو لنقل غير عميقة. إلا أنها كانت مفيدة لي لأتجاوز عتبة هذا القرار، وأتأكد مما أريده أنا، وليس ما يريده الناس لي، أو الهدف القادم منهم.

فأغلقت هذا الدفتر.

ربما لم أفهم في تلك اللحظات أن الأمر لم يكن فقط عن الشهادات أو الدراسة… بل عن شيء أعمق وأصدق:
المتعة.

  1. كيف أُعرّفها؟
  2. كيف أعيشها؟
  3. وهل قراراتي السابقة كانت نابعة من رغبتي الداخلية؟ أم من تصورات بيئية فرضت عليّ ما يجب أن أستمتع به وما لا يليق أن أعتبره متعة؟

محاولاتي الدراسية، بين القبول والرفض

بعد حصولي على شهادة البكالوريا بميزة حسن، لم أُقبل في المدارس العليا بأكادير… فالتحقت بجامعة ابن زهر لدراسة الكيمياء، لكن بعد عام شعرت أنني لا أنتمي لهذا المكان. الصفوف مكتظة، والمشتتات من حولي هائلة!

قررت الانتقال إلى مجال جديد تمامًا: البرمجة. التحقت بالمؤسسة الجديدة، وكنت من الأوائل في دفعتي. وبالرغم من النتائج الممتازة، لم أجد نفسي في مسار تقني بحت.
لاحقًا، قُبلت لدارسة الإجازة المهنية في جامعة الدار البيضاء، أكملت متطلبات التسجيل، إلا أنني لم أدخل ولا فصل.

كيف ولماذا؟

لا أعرف!

جوابي السابق كان أن مدينة الدار البيضاء أكبر من أن أتحملها! الضجيج، الازدحام، الثقافة السائدة عنها… الحقيقة؟

شهادة الإجازة لم تكن لتقدم لي شيئا.
(هذا لا يعني أنها غير مفيدة، إن حصلتَ عليها فمبروك، وإن كنتَ تدرسها الآن، فاستمر!)

لم أخبر أحدا من أهلي عن قبولي في الجامعة ولا عن رفضي للدراسة فيها. فطويت صفحة الدراسات العليا!
لاحظ معي، أني حين أخبرتك أني مُحبِّة للنجاح والإنجاز، فهذا حقيقي!

كلُّما دَرستُه، دَرستُه بجد واجتزته بمعدل ممتاز. إلا أن انتقالاتي في الجانب التعليمي كانت سريعة، مع العلم أن إخوتي ومعظم من حولي من حملة الشهادات العليا.
وهكذا آخر شهادة تعليمية حصلت عليها كانت في 2014/2015، ثم دخلت مباشرة للعمل، وبدأت بفترات تدريبية متنوعة في مجالي.

عالقون في مراحل متعة لم نعترف بها بعد

اليوم، وأنا أكتب لك بتاريخ 6 غشت 2025، عرفت أن مرحلة الدراسات العليا هي مرحلة من مراحل المتعة لدى البعض.
هناك من يطيل فيها، ومن يتأخر عنها، ومن ينضج فيها سريعا…

انتبه، لا أحد من الفئات سيء، وإنما هي مسألة اختيار.
الشخص الذي اختار أن يُكمل دراسته من الإعدادي، للثانوي، والجامعي، ويتابع لسلك الدكتوراه الأولى، ثم الثانية… هذه متعة بالنسبة له.

نعم، هي في مرحلة ما، أو في جزئية ما، لم تعد بمتعة، إلا أنه من سيفهم؟!

هل رأيت يومًا شخصًا في الستين من عمره، يعود لمقاعد الدراسة؟
رأيتَهم يحصلون على الماستر، أو حتى الدكتوراه؟ هذا شخص تأخر في هذه المتعة، ولا بأس! (لاطالما رأينا صور هؤلاء يُحتفى بهم علنا، لأن الدراسة متعة مجتمعية)

صحيح، أني نضجت سريعا في هذه المرحلة من المتعة، إلا أني عالقة في مرحلة أخرى.
مرحلة أخرى لم أخرج منها بعد، ولهذا يصعب عليّ أن أكتب عنها بوضوح. سأكتفي بالحديث بشكل عام، عما تغير بداخلي حول المتعة.

وكإشارة، أنا عالقة في مرحلة المشاركة، الامتلاك، التملك، العطاء…

المتع المؤجلة منذ الطفولة إلى الشيخوخة

  • حين لا تكبر في بيئة تدعم الفن، أو تُقَدِّر الموسيقى كجزء ضروري من الحياة، يصعب عليك الاستمتاع بها علنا.
  • حين لا تكبر في بيئة تحب تجمعات الأصدقاء، والأهل، سيصعب عليك أن تعيش هذه المتعة.
  • حين تكبر في بيئة تحُدُّ من قيمة الجمال والزينة والتجمل، لن تقدر على الاستمتاع بكل هذا في وقته المناسب.
  • حين لا تكبر في بيئة تقدر المشاعر، ويصعب فيها مشاركة أحاسيسك والتعبير عنها، فستفوتك متعة الشعور، سواء الإيجابي أو السلبي منه!

نعم، متعة الشعور السلبي أن تعيشه في وقته.

أنا لدي أزمة في مشاركة مشاعري مع من حولي:

لا أستطيع أن أقول أني غاضبة بسبب هذا الشيء،
أو أني حزينة لهذا السبب،
أو أني أشعر بالتأنيب تجاه هذا الأمر…

في أوقات الغضب، الحزن، التعب النفسي، اليأس… أقصى ما أريده هو الجلوس لوحدي.
أن أسمح لهذه المشاعر بالمرور والعبور…
وهذا يحتاج وقتا، جلسة لأيام مع الذات… إلا أني لم أكن أستطيع فعل هذا!

في زحمة الأمور العائلية، والواجبات (التي أرغمنا أنفسنا على بعض منها)، لا أملك رفاهية أن أقول لهم: أنا حزينة، أحتاج البقاء لوحدي.

تعرف ذلك الصديق الذي حتى حين يعيش أزمة، يضحك ويبتسم لك… هذه أنا وسطهم!
أجد نفسي رابط الوصل بين الأفراد من حولي، وغيابي يعني توقف الكثير من (المتع) بالنسبة لهم.

لقد أطلت في تفسير متعة الشعور السلبي، هذا ما تطلبه الأمر، فما بالك بالاستمتاع بالشعور الإيجابي؟!

حين بدأت أسمح لنفسي بالاستمتاع

بعد دخولي للثلاثين… اكتشفت أن أهم كلمة تغير مفهومها بداخلي هي: المتعة

قبل 5 أعوام من الآن، لا أتذكر أني استخدمت كلمة متعة في جملة صحيحة، أو بمعنى أدق لم أقل أنا أستمتع الآن، أو أنا مستمتعة بهذا الشيء أو مع هذا الشخص…

كانت الكلمة مشوّشة بداخلي، محاطة بضبابية سلبية. يعني أن أقول: أنا أريد أن أستمتع، بصوت مرتفع، كأني أقول أريد ارتكاب خطيئة أو سيئة.

أنا سعيدة، أنا فرحة، أنا مبتسمة، أنا ممتنة (لم أفهم الامتنان حقا حتى تعلمت عن المتعة)، كانت جُمَلا جارِِ بها العمل في حواراتنا اليومية؛ أنا مستمتعة، لا! لم تكن متواجدة في كلامي.

قد تكون أنت مختلف عني، وكبرت في أجواء من المتعة!

لديك أسرة مستمتعة، فتعودت على هذا الشعور كشعور، وكواقعِِ ملموس.

أما أنا، فلا!

لن تدخل منزلنا وتجد الموسيقى مفتوحة على أعلى صوت، هذا إن فُتِحت أصلا! ولن تتصادف مع حفلة مفاجئة نحتفي فيها بأحدنا!

منزل هادئ. معلوم فيه موعد النوم. متى نسافر. من ضيوفنا. احتفالاتنا المتوقعة (عيد الفطر وعيد الأضحى)، حالنا كحال الأسر المحافظة، حيث التركيز على العلم والدين… مع تفاوت في نسبة هذا التركيز بين كل أسرة وأسرة.

ربما لم تكن القصة عن الحلال والحرام… بل عن المتعة

أنا عن نفسي لم تكن تستهويني الموسيقى ولا الأغاني. لا أتذكر أني كنت أستمع للأغاني الشهيرة خلال فترة المراهقة ولا حتى الشباب.

لم أجلس يوما وأفتح الراديو أو الجوال على مجموعة من الأغاني وأستمتع بهذا الجو، وللأمانة ليس لأن هذا كان ممنوعا علي، وإنما كما أخبرتك لم يكن من العادة.

في بداية رحلتي في تطوير الذات، قرأت أن الاستماع للأغاني بشكل مكرر يبرمج العقل اللاواعي على عيش نفس قصص الأغاني، فكان الأمر بالنسبة لي خبرا جميلا، على الأقل لم يتطلب مني تنظيف مخلفات الأغاني أيضا.

إلا أنه بعد فترة، شعرت أنه يوجد بداخلي نوعا ما حُب، أو لنبقيها في مصطلح المتعة.

يوجد بداخلي متعة جميلة تجاه الموسيقى!

فكرة أن شخصا ما موهوب ولديه صوت رائع، يُطرب ملايين الأشخاص عبر العالم، فكرة تبعث المتعة لقلبي! فبدأت أشاهد حفلات موسيقية لفنانين عالميين، وأستمتع بتناغم الجمهور مع المطرب…

قبل أشهر قليلة، حضرت حفلة موسيقية مع صديقتي. في لحظة عميقة، تمعنت في نجم الحفل، جالسا في الخلف يراقب تَغنِّي الجمهور بعزف فرقته الموسيقية، أحسست به ممتن لهذه اللحظة.

بدون تفكير مسبق، قلت لصديقتي، وااو! هل تتخيلين الأجر الذي سيناله لمجرد إمتاعه هذا الجمهور كاملا؟؟
فقالت: أجر؟ حتى لو كانت مجرد موسيقى؟!

أما بعد؟

  • ماذا لو كانت القصة كلها قصة متعة؟!
  • ماذا لو لم تكن القصة عن حلال وحرام، ولا عيب أو عار؟

بل عن شيء بسيط، وعميق في آنِِ: المتعة!

تعقيد ما هو بسيط، وفرض المتع الجماعية

المفترض أن يتحدث مقالي هذا عن تأثير البيئة من حولنا على حياتنا الشخصية، بما فيها من أفكار ومشاعر. إلا أني أحسست بضرورة ربطها بمفهوم المتعة، لأنه الأحق بأن يُعاش بالشكل الذي نراه مناسبًا.

أحيانًا، أنت فقط ذاهب لحفل موسيقي، لتستمتع بالموسيقى وأجوائها الجميلة، إلا أن من حولك يعارض هذا!
قد لا يرفضون ذهابك صراحة، لكنهم يُعقِّدون هذه المتعة:

  • ما الذي ستفعله في الحفل؟
  • هذا تضييع وقت!
  • استمع للفنان من غرفتك ووفر المال والجهد!
  • مكان الحفل بعيد، والأمر كله مُتعب!

ربما، كل ما تريده هو الخروج في نزهة، زيارة مقهى لطيف، الاستمتاع بكوب قهوتك بهدوء…
لكنهم يُعقِّدون الأمر!

يفكرون في الطريق، والازدحام، وضجيج المقهى، وتكلفة النزهة، وماذا سيرتدون؟
بل وقد تفكر إحداهن: كيف سأظهر بمنظر مثالي لعلّي التقي بشاب وسيم فجأة!

بينما ما ترغب فيه — ببساطة — هو كوب قهوة.

هذا يعيدني لفكرة أن ليست كل المتع جماعية

ولأننا أسر مرتبطة ببعضها البعض، يصعب علينا كثيرًا الاستمتاع بأنفسنا، بمعزل عن مشاركة الآخرين.

على سبيل المثال: نحن في بيتنا تعودنا منذ الصغر على تناول جميع الوجبات معًا.
لن تجد أخي مثلًا جالسًا في غرفته ونحن نتناول الغذاء بدونه… ما دمت في المنزل، فسنجلس سويًا على الطاولة!

لكن مؤخرًا، أصبحت علاقتي مع الأكل غير مستقرة.

أتناول الفطور ما بين التاسعة والعاشرة صباحًا، وقد لا آكل شيئًا بعدها إلا في وقت متأخر من الليل.
لا تأتيني رغبة في الأكل، ولا شعور بالجوع… ومع ذلك، حين يحين موعد الغذاء، أشعر وكأن عليّ أن آكل معهم!

أخذ مني الأمر وقتًا حتى صار بمقدوري أن أقول:
“أنتم تريدون تناول الطعام الآن؟ بصحتكم جميعًا، أما أنا فلا رغبة لدي في الأكل هذه اللحظة.”

صحيح، لم أتمكن من قولها بأسلوب لبق حينها، فقد كنت غاضبة من تكرار الموقف نفسه.

في النهاية، لم يكن الخلاف حول الطعام، بل حول توقيت المتعة وطريقتها!

ولكي أوازن بين توقيتي المتذبذب في الأكل، ورغبتي في مشاركة أهلي، قررت الاستمتاع بوجبة الفطور معهم.
أجلس مع والدتي صباحًا، أتناول فطوري بهدوء، وقد يستمر الأمر لساعة كاملة…
وفي نهاية الأسبوع، نجتمع على مائدة الغذاء والعشاء معًا.

(باستثناء فترة وجود والدي، تتغير القرارات😂)

أعلم أن ما قرأتَه حتى اللحظة ربما لن يفيدك بشكل مباشر، كوننا نبحث عن الجانب التطبيقي والعملي في كل شيء…

لكن اسمح لي الآن، أن أذهب معك للعمق.

تأثير البيئة: بين النصيحة النظرية وواقع العائلة اليومية

هذا من أبرز العناوين التي ستكرر على مسامعك في بداية مسارك، سواء في الوعي الذاتي، أو حتى في النجاح المهني، والمالي أيضا.
لا يخلو أي فيديو تحفيزي، أو دورة تدريبية، أو رييل انستغرام لكوتش، أو رائد أعمال (في مرحلة ما)، من الحديث عن البيئة وتأثيرها. جميعهم ركزوا على البيئة الاجتماعية المحيطة بنا، بما فيها من عائلة وأصدقاء، ومعارف.

مثلا، حين يتحدث متخصص مالي عن عاداتك المالية، فهو بكل تأكيد سينصحك بالابتعاد عن الأصدقاء المسرفين، أو غير القادرين على إدارة أموالهم بحكمة، لأنك ستصبح شبيها لهم!

كما تقوم الحكمة:

أنت نتيجة 5 أشخاص الذين ترافقهم!

قبل سنوات، كتبت مقالتين بعنوان الحديقة السرية، ومختصرهما: أنك تستطيع بناء عالم خاص بك، مهما كان المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه.
هل أصبحت فكرتي هذه خاطئة؟ لا، ليس حقا!

لكن، دعني أتفق معك على شيء، أنا لن أتحدث هنا عن الأصدقاء ولا عن المعارف، ولا عن زملاء العمل، ولا حتى عن أفراد العائلة البعيدة.

لماذا؟

لأن، أي شخص من هؤلاء إن كان يتعارض مع رحلتك في التغيير، فألقه من المركب وتابع المسير.
إلا أنه حين يكون الحديث عن الأسرة الصغيرة التي تعيش معها وتتفاعل معها يوميا، فهنا لدي مشاعر وأفكار جديدة أريد البوح بها لنفسي أولا، ثم لك.

هل من الخطأ أن نحب وحدتنا؟

مع كل ما قرأته، وشاهدته، وتعلمته عن كيفية تجنب تأثير الأشخاص من حولي، لم أستطع أن أضع لنفسي نجمة في هذا الجانب. أقصى ما تعلمته أنه لا يمكن أن تُتم رحلة التغيير، أو على الأقل تصل لمرحلة ممتازة (الامتياز هنا حسب كل شخص)، ما لم يكن محيطك يتناسب مع هذا التغيير.

قانون الانعكاس، السبب والنتيجة، الكارمات… كلها مفاهيم تتداخل حين يكون الحديث عن العلاقات الاجتماعية.
قد تشاهد فيديو لمدربة تحكي أن علاقتك بالأشخاص هي انعكاس لعلاقتك مع نفسك، وقد يكون هذا صحيحا، لكن، في مرحلة ما، يُكسر هذا الانعكاس.

مثلا، فتاة تريد امتلاك حرية واستقلالية من نوع ما، تخرج، تتوظف، تسافر… يُقال لها، أن عدم حصولك على حريتك، أو رفض أهلك لهذه الحرية هو انعكاس داخلي لديك. تشتغل الفتاة على نفسها، تطور من أفكارها، ومشاعرها، وتصل لمستوى من مستويات الحرية والاستقلالية لم تصل لها من قبل… ولكن، ليست كاملة! هناك حد للحرية التي يمنحها الأهل لها.

فما الحل هنا؟ أو ما هي المشكلة أصلا؟

حين تتقاطع المتعة مع تأنيب البيئة

لسنوات طويلة، الشاب مصطفى لم يكن ليخرج من منزله لوحده، كان دوما يترافق إما مع أهله، أو مع أصدقاءه.

تغيرت أفكاره، أصبح أقرب لنفسه، يستمتع برفقة ذاته… فبدأ يتغير سلوكيا. من شخص يذهب للمقهى رفقة 5 أصحاب، ويسافر في كل عطلة مع مجموعة، إلى شخص يشرب كوب قهوته لوحده، ويسافر مع نفسه! لكنه، في كل مرة، يتعرض لنفس الأسئلة:

  • لماذا ستسافر لوحدك؟
  • انتظر إلى وقت الإجازة لنسافر معا؟
  • تعال لنلعب كرة القدم بدل ذهابك للمقهى لوحدك؟

يوجد شاطئ في منطقة خارج المدينة، تعودنا على السفر إليه منذ طفولتي، وأنا أحب الذهاب إليه حين يخلو من الناس، تحديدًا خارج موسم الصيف… ويتكرر علي نفس الموقف، ما الذي ستفعلينه هناك لوحدك؟

هل هناك خطب في صديقنا هذا؟ أو فيَ أنا؟ لمجرد أننا نحب قضاء بعض الوقت لوحدنا؟؟

لا، أبدا!

وليس هناك خطب في الأطراف الأخرى أيضا، فقط هي مسألة تقبل تغير المتع الشخصية للفرد!
لا أريدك أن تفهم أني لا أحب قضاء الوقت مع الآخرين، على العكس تماما! لكن المتع تتغير، كما أخبرتُك أعلاه!

فلماذا يبدو تقبُّل التغيير في المتع الشخصية صعبًا على من حولنا؟

هل تتذكر الفتاة التي حصلت على جزء من الحرية والاستقلالية التي سعت لها؟ لازالت تشعر بالتأنيب في كل مرة تسعى لتصرف مستقل.

كيف هذا؟

دعني أضرب لك مثالا، فرضا أن الحرية بالنسبة لها هو الخروج مع صديقاتها في نهاية الأسبوع، أو ربما السفر معهن في العطلة الصيفية…

بعد محاولات كثيرة، حققت هذا الشيء.

لكن، في كل مرة تريد الخروج من المنزل، تسأل نفسها:

  • هل من الصائب أن أخرج الآن؟
  • كيف سأترك إخوتي في المنزل وأنا أخرج مع صديقاتي؟
  • هل أتركها لمرة قادمة؟ أو أخرج مع أسرتي أنسب لي؟

هل تعتقد أن هذه الأسئلة قادمة من وعي إنسانة قيمتها هي الحرية؟ لا، أبدا! هي قادمة من الحوارات التي أجرتها مع بيئتها في سبيل هذه القيمة!

هل ستخرجين وإخوتك لا؟ ما الذي ستفعلينه مع صديقاتك مجددا؟ كيف تخرجين وفلان متعب أو مريض؟…
هذه هي أسئلة تأنيب الضمير التي يُلْقيها من في بيئتنا في كل مرة نخطو نحو تغيير شخصي.

مِنكم من سيرفض هذه الأمثلة التي أشاركها، ولا بأس.
قد تقول لي، من الطبيعي أن يطلبوا من هذه الفتاة أن تجلس في المنزل إن أكثرت من الخروج! أو ربما إن كان أحد أفراد الأسرة متعبا أو لديها واجبات أخرى عليها القيام بها…

كلامك منطقي، مع هذا…

المتعة تقول: الطاقة أولا!

وهذه الفكرة استوعبتها مؤخرا.
لو كنتَ في الحضيض، من تريد حولك؟؟ (اعتبر الحضيض هو أي مشكلة جسدية، نفسية، مالية… ستسقط فيها)

  • أنت حين تكون متعبا، لا تريد أشخاصا متعبين حولك!
  • أنت حين تكون يائسا، لا تريد أشخاصا يائسين حولك!
  • أنت حين تكون مفلسا، لا تريد أشخاصا مفلسين حولك!

فمن تريد؟

في اللحظة التي تنخفض فيها طاقتك (تعب، يأس، إفلاس، حزن، إكتئاب…)، أنت تريد، وتحتاج أشخاصا طاقتهم مرتفعة (أقوياء، شغوفين، أثرياء، فرحين، مستمتعين…)!
لكن، لأننا في مجتمعاتنا نمارس غالبًا عاطفة غير ناضجة، ستفرض عليك أن تتعب لأن شخصا قريبا منك مُتعب! وستفرض عليك أن تشعر بالحزن، لأن الآخر أو الآخرين يعيشون الحزن.

والغريب، لن يكون طلبهم مباشرا… فما طريقتهم؟

إشعارك بالتأنيب كلما رغبت في ممارسة متعتك!

تلك النزهة البسيطة التي فَهمتَ مؤخرا أنها تُحسن مشاعرك، سيُطلب منك أن تؤجلها لأن فلان ليس في المزاج الملائم، وعليك الجلوس بجواره!

قِس كل الأمثلة التي شاركتها معك، عن قيمة الحرية لدى الفتاة، أو التصرفات الجديدة للشاب مصطفى، على أي تغيير جديد تقوم به… على أي متعة جديدة تريد عيشها، لأن في عمق كل هدف، أو إنجاز، أو سعي، يوجد شعور متعة خفي!

إلا أنه، من سيعترف أن شعورك بالمتعة واستمتاعك سيساعد على تحسين مزاج الجميع من حولك؟ ولو بشكل غير مباشر؟ لا أحد سيعترف!

والحل؟ تعود خطوة للوراء، وتتجاهل مع تعلمته عن تفادي تأثير البيئة من حولك.

الانفصال المبكر عن بيئتك يسَرِّع تقبل التغيير

في الغرب حين يصل الابن أو الابنة لعمر 18 سنة، يخرج من كفالة والديه، إلى العالم الخارجي. هذا يعطيه دفعة قوية لاكتشاف نفسه بسرعة، وعيش حياته وفقا لمراحل تغيره، ولا يعود لمحيطه سلطة عليه.

هذا شيء إيجابي، إن كانت التربية ما قبل 18 سنة جيدة!

لا أريدك أن تقول أني أدافع عن نظام التربية الغربي! فهذا ليس صحيحا. أنا أشدد على أساسيات التربية ما قبل 18 سنة. على الأقل، حتى لا ينكر الأبناء آبائهم بعد زمن.

وهذه نقطة تُحسب لتربيتنا العربية، أنه على الأقل يربى الطفل على والديه… إلا، أن هذا ينعكس بالسلب ما لم ينتبه كلا الطرفين.

في البيئة الواحدة تَتَعجّن الهويات

نحن لا نعرف ذواتنا ولا شخصياتنا، ولا ما نحب ولا ما نكره، طالما نعيش في نفس البيئة ومع نفس الأشخاص لوقت طويل… يصبح كل شيء كأنه عجينة!

قد تتناول الأسرة وجبة عشاء، يحبها شخص واحد فقط، والآخرين يأكلونها فقط لأنها هي المتوفرة هذا المساء. في حين، لو عاش كل شخص لوحده فترة من الزمن، أو لو امتلك كل فرد الحق في اختيار وجبته لاكتشف كل منهم ما الذي يحبه من الأطعُم.

تخيل أنك في منتصف العشرينيات، أو الثلاثين، وقد بدأت للتو اكتشاف نفسك. كيف ستكون ردة فعل المحيط؟
سيكون عليك تعويض كل السنوات… من 18 إلى عمرك اليوم! حيث من المفترض أنك اكتشفت نفسك مسبقا وتعودوا على نسختك الجديدة!

البيئة تسرق منك حتى مشاعر الشجاعة

ليس سهلا ألا تتأثر ببيئتك، مهما حاولت التغيير، مهما قرأت من كتب، مهما حضرت من دورات!

هل تظن على سبيل المثال، أنك ستهرب من شعور الخوف، إن كنت تعيش مع أشخاص خائفين؟؟
أتذكر نفسي حين كنت في مرحلة الشجاعة، وكلما رأيت فرصة جديدة قفزت إليها، هل كان هذا سهلا؟ وسط بيئة محافظة يعلوها الخوف والتردد؟ أكيد لا!
والخبر الجيد، أني خرجت من الشجاعة سريعا، وإلا كنت حطمت نفسي، ما بين شجاعتي وخوف من حولي!

لهذا، التواجد في بيئة مساهمة في المتعة ضرورة لا بديل لها، أو على الأقل بيئة تسمح لك بعيش متعتك دون إشعارك بالتأنيب.

إلا أنك هنا يا زهرة عدتِ لنفس النقطة؟

ـ بيئتي لا أستطيع تغييرها! ـ إن كانت ترفض متعتي (لو سمحت: لا تعتبر الإدمان، أو الأفعال السلبية متعة مباحة، وتُلقي الذنب علي!!! تحمل مسؤوليتك في اختيار متعك)، فهذا يعني أني لن أستمتع.

تريد خلاصتي؟

والداي لا يستمتعان، مثلا، بالحفلات الموسيقية (باستثناء سماع الأغاني الأمازيغية أوقات السفر)، هل سأفرِضُ عليهم متعتي؟
اام… للأمانة، حاولت لكني لم أنجح. فتأكدت أن هناك متع فردية تمارسها وتستمتع بها لوحدك (مباحة، مفيدة)، ومتع جماعية يمكن أن تشترك فيها بيئتك.

وبيني وبينك، هناك متع لا يجب أصلا أن تخبر بها شخصا ما دام سيخربها عليك! للأسف، هذا ما عليك فعله في مراحل كثيرة من رحلة التغيير، والمتعة جزء واحد منها.

لو أخبرت أهلي سابقا أني لن أُكمل في تخصص الكيمياء وسأدرس البرمجة، أو أني قُبلت في جامعة الدارالبيضاء ولكني لن أذهب… ما كانوا وافقوا على قراراتي!

لو انتظرت أن تفهم بيئتي احتمالات النجاح الكبيرة بعيدا عن الوظيفة الثابتة أو مجالات العمل المعترف بها، ما كنت لأخطو خطوة للأمام؟

عن البيئة التي لا أختارها… وتلك التي أخلقها

المسألة هي أن البيئة تؤثر وستظل تؤثر عليك، ما دمت لم تقم بقفزة بهلوانية وتضرب كل شيء عرض الحائط!

وهذا ممكن، وفعله الكثيرون من قبل، ونجحوا واستمروا!

  • كم شخصا ترك أسرته وهاجر، ثم بعد نجاحه عاد وبدؤوا صفحة جديدة؟
  • كم من فتاة كان من الصعب أن تعمل عملا معينا لرفض بيئتها، لكنها تابعت رغبتها، ثم عادت وأصلحت علاقاتها؟
  • كم من شخص غضب وصرخ وجادل ونازع من أجل هدف شخصي ترفضه بيئته، ثم قام به ونجح؟

لكن…

  • ماذا لو لم تستطع؟ ماذا لو مقدرتك هي أن تحاول التغيير وسط بيئة محبطة؟
  • ماذا لو كانت قيمة العائلة لديك مهمة (مثلي)، وليس من السهل أن تتجنبها وتجري خلف طموحاتك وأهدافك؟

دعني أذكرك بشيء…

أنا من محبي مختصرات الحياة،

ودائمة السؤال:
ما هي أسهل وأيسر طريق لفعل هذا الشيء؟ بحيث أحقق ما أريده بدون تعقيد.

إلا أنه حين الحديث عن بيئتي (أسرتي الصغيرة)، لم أجد هذا الطريق المختصر، للأسف!
لا توجد حبة سحرية لتغيير بيئتك بالشكل الذي تريده أنت، أو بالشكل الذي يتوافق دائما مع تطوراتك الشخصية!

كان لدي حلان، لا ثالث لهما.

إما أن أتصادم معهم بشأن ما أريده: أهدافي، رغباتي، متعي، مشاعري وأفكاري الجديدة، أو أنسى كل شيء، وأبقى على حالي، وعلى هويتي القديمة.
لم أجد حلا ثالثا، فاخترت المرونة

أن أكون مرنة مع بيئتي بشأن معتقداتها حول ما أريده، ومرنة أيضا مع نفسي، بحيث لا أفرض عليها شيئا فوق طاقتها.
لهذا، عليك أن تتعلم المرونة!

أن تستفيد من كل الطرق المباحة والمشروعة لتحقق ولو جزءا من القفزة البهلوانية!

لأن في النهاية البيئة تؤثر!

فقط انتبه، أنت وُلدت لأب وأم، ولديك إخوة محددين. كلهم بأطباع معينة، قد لا تتناسب معك، ولا تملك القدرة على تغييرهم.
لكن…

  • لماذا أجدك وسط أصدقاء غير مناسبين؟
  • لماذا تترافق مع أشخاص لا يتوافقون مع رحلتك؟
  • لماذا تدخل قصة عاطفية مع طرف لا يملك نفس نظرتك للحياة؟
  • لماذا تختار شريك حياة يُعقد عليك ما هو بسيط ويؤنبك على متعك؟

هذا ما تعلمته!

لم أختر البيئة التي نشأتُ فيها، لكن أملك الحق في اختيار من يكمل معي الطريق: أصدقاء، عملاء، زملاء عمل، شريك حياة… يقبلون بالتغيير، ويسمحون بالمتعة!

فما رأيك؟ هل أنت ممن يعقد المتعة أو تسمح بها؟

التطوير الذاتيالمتعةتأثير البيئة
التعليقات (0)
شارك بتعليقك